الآلوسي

103

تفسير الآلوسي

العجز فأخذ العجوز ما أخذها فقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى ينشئهن خلقاً غير خلقهن ثم قال : تحشرون حفاة عراة غلفاً فقالت : حاش لله تعالى من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بلى إن الله تعالى قال : * ( كما بدأنا أول خلق نعيده ) * ومثل هذا المعنى حاصل على ما جوزه ابن الحاجب من كون * ( كما بدأنا ) * في موضع الحال من ضمير * ( نعيده ) * أي نعيد أول خلق مماثلاً للذي بدأناه ، ولا تغفل عما يقتضيه التشبيه من مغايرة الطرفين ، وأياً ما كان فالمراد الأخبار بالبعث وليست ما في شيء من الأوجه خاصة بالسماء إذ ليس المعنى عليه ولا اللفظ يساعده . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية تهلك كل شيء كما كان أول مرة ويحتاج ذلك إلى تدبر فتدبر . * ( وَعْداً ) * مصدر منصوب بفعله المحذوف تأكيداً له ، والجملة مؤكدة لما قبلها أو منصوب بنعيد لأنه عدة بالإعادة وإلى هذا ذهب الزجاج ، واستجود الأول الطبرسي بأن القراء يقفون على * ( نعيده ) * * ( عَلَيْنَا ) * في موضع الصفة لوعداً أي وعداً لازماً علنيا ، والمراد لزم انجازه من غير حاجة إلى تكلف الاستخدام * ( إنَّا كُنَّا فَاعلينَ ) * ذلك بالفعل لا محالة ، والأفعال المستقبلة التي علم الله تعالى وقوعها كالماضية في التحقق ولذا عبر عن المستقبل بالماضي في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز أو قادرين على أن نفعل ذلك واختاره الزمخشري ، وقيل عليه : إنه خلاف الظاهر . * ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ ) * . * ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُور ) * الظاهر أنه زبور داود عليه السلام وروى ذلك عن الشعبي . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه الكتب ، والذكر في قوله تعالى : * ( مِنْ بَعْد الذِّكْر ) * التوراة . وروى تفسيره بذلك عن الضحاك أيضاً . وقال في " الزبور " : الكتب من بعد التوراة . وأخرج عن ابن جبير أن الذكر التوراة والزبور والقرآن . وأخرج عن ابن زيد أن الزبور الكتب التي أنزلت على الأنبياء عليهم السلام والذكر أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك وهو اللوح المحفوظ كما في بعض الآثار ، واختار تفسيره بذلك الزجاج وإطلاق الذكر عليه مجاز . وقد وقع في حديث البخاري عنه صلى الله عليه وسلم : " كان الله تعالى ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء ثم خلق الله السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء " وقيل الذكر العلم وهو المراد بأم الكتاب ، وأصل الزبور كل كتاب غليظ الكتابة من زبرت الكتاب أزبر بفتح الموحدة وضمها كما في المحكم إذا كتبته كتابة غليظة وخص في المشهور بالكتاب المنزل على داود عليه السلام ، وقال بعضهم : هو اسم للكتاب المقصور على الحكمة العقلية دون الأحكام الشرعية ولهذا يقال للمنزل على داود عليه السلام إذ لا يتضمن شيئاً من الأحكام الشرعية . والظاهر أنه اسم عربي بمعنى المزبور ، ولذا جوز تعلق * ( من بعد ) * به كما جوز تعلقه بكتبنا ، وقال حمزة : هو اسم سرياني ، وأياً كان فإذا أريد منه الكتب كان اللام فيه للجنس أي كتبنا في جنس الزبور . * ( أَنَّ الأَرْضَ يَرثُهَا عبَاديَ الصَّالحُونَ ) * أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم . وغيرهما عن ابن عباس أن المراد بالأرض أرض الجنة ، قال الإمام : ويؤيده قوله تعالى : * ( وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) * ( الزمر : 74 ) وإنها الأرض التي يختص بها الصالحون لأنها لهم خلقت ، وغيرهم إذا حصلوا فيها فعلى وجه التبع وأن